الغزالي

225

إحياء علوم الدين

الدين ، فأكثر أوقاتهم في تزيينهم الظواهر كفعل الماشطة بعروسها ، والباطن خراب مشحون بخبائث الكبر . والعجب . والجهل . والرياء . والنفاق ، ولا يستنكرون ذلك ولا يتعجبون منه ، ولو اقتصر مقتصر على الاستنجاء بالحجر ، أو مشى على الأرض حافيا ، أو صلى على الأرض أو على بواري المسجد من غير سجادة مفروشة ، أو مشى على الفرش من غير غلاف للقدم من أدم ، أو توضأ من آنية عجوز ، أو رجل غير متقشف أقاموا عليه القيامة وشدوا عليه النكير ، ولقبوه بالقذر ، وأخرجوه من زمرتهم ، واستنكفوا عن مؤاكلته ومخالطته ، فسموا البذاذة التي هي من الإيمان قذارة ، والرعونة نظافة ، فانظر كيف صار المنكر معروفا والمعروف منكرا وكيف اندرس من الدين رسمه كما اندرس حقيقته وعلمه فإن قلت : أفتقول إن هذه العادات التي أحدثها الصوفية في هيئاتهم ونظافتهم من المحظورات أو المنكرات ؟ فأقول : حاش لله أن أطلق القول فيه من غير تفصيل ، ولكني أقول : إن هذا التنظيف والتكلف وإعداد الأواني والآلات واستعمال غلاف القدم والإزار المقنع به لدفع الغبار وغير ذلك من هذه الأسباب ، إن وقع النظر إلى ذاتها على سبيل التجرد فهي من المباحات ، وقد يقترن بها أحوال ونيات تلحقها تارة بالمعروفات وتارة بالمنكرات فأما كونها مباحة في نفسها فلا يخفى أن صاحبها متصرف بها في ماله وبدنه وثيابه ، فيفعل بها ما يريد إذا لم يكن فيه إضاعة وإسراف وأما مصيرها منكرا ، فبأن يجعل ذلك أصل الدين ، ويفسر به قوله تعالى صلَّى الله عليه وسلم : « بنى الدّين على النّظافة » حتى ينكر به على من يتساهل فيه تساهل الأولين ، أو يكون القصد به تزيين الظاهر للخلق ، وتحسين موقع نظرهم ، فان ذلك هو الرياء المحظور ، فيصير منكرا بهذين الاعتبارين وأما كونه معروفا ، فبأن يكون القصد منه الخير دون التزين ، وأن لا ينكر على من ترك ذلك ، ولا يؤخر بسببه الصلاة عن أوائل الأوقات ، ولا يشتغل به عن عمل هو أفضل منه ، أو عن علم ، أو غيره ، فإذا لم يقترن به شيء من ذلك فهو مباح يمكن أن يجعل